طلال نحلة
الأحد 17 أيار/مايو 2026 (اليوم 79 للحرب)
لم تعد طبول الحرب تُقرع في الكواليس، بل باتت تدوي في سماء المنطقة الملبدة بطائرات الشحن والقاذفات الثقيلة. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأسلوبه الاستعراضي المعتاد، نشر صورة له وخلفه سفن إيرانية معلقاً: "إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة"، في إشارة واضحة لانسداد الأفق الدبلوماسي ورفض واشنطن للمقترح الإيراني الخامس. هذا التهديد العلني ليس مناورة سياسية، بل يتطابق بدقة مع تحركات عسكرية دراماتيكية، وإعادة تموضع لوجستي واسع النطاق، وحادثة "راية كاذبة" في الإمارات، ما يؤكد أن قرار العودة إلى القصف المكثف قد اتُخذ في واشنطن وتل أبيب. وفي المقلب الآخر، تقف جبهة لبنان كصخرة تُحطم آمال التوغل الإسرائيلي، ما يدفع حكومة نتنياهو لطلب الحسم الأمريكي بأي ثمن.
سأضع بين أيديكم هذا التقرير، ليُشكل مرجعاً لفهم التحولات الميدانية والسياسية التي تسبق "ساعة الصفر":
أولاً: حتمية الضربة الأمريكية.. التحشيد اللوجستي والاستدعاء الطارئ
كافة المؤشرات العملياتية (OSINT) والميدانية تتقاطع لتؤكد أننا أمام عملية عسكرية وشيكة وواسعة النطاق:
1. الاستدعاء الطارئ في البيت الأبيض: دعوة مراسلي البيت الأبيض لحضور حدث "غير محدد" في الحديقة الجنوبية، بالتزامن مع اجتماع أمني لترامب مع كبار القادة العسكريين، هو الإجراء البروتوكولي الكلاسيكي الذي يسبق إعلان قرارات الحرب أو الضربات الاستراتيجية الكبرى.
2. الانسحاب التكتيكي والجسر الجوي (C-17): إقلاع عشرات طائرات الشحن العسكرية (C-17) من المنطقة (من بينها الأردن) وعودتها نحو أوروبا، هو تكرار دقيق لما حدث قبل التصعيد العسكري الأول. هذا التحرك يهدف إلى إبعاد الأصول والمعدات الحساسة (والكوادر غير القتالية) من دائرة الاستهداف الإيراني الصاروخي المحتمل، لتخفيف الخسائر عند بدء الضربة.
3. الجدار الناري البحري والجوي: صور الأقمار الصناعية (سينتينال-2) تُوثق تمركز حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" برفقة ثلاث مدمرات في شمال بحر العرب (على بعد 245 كم فقط من ساحل تشابهار)، مدعومة بمدمرات أوروبية قبالة السواحل اللبنانية (الفرنسية Aquitaine، البريطانية Daring، والإيطالية). هذا التموضع يهدف لتشكيل درع بحري لصد الصواريخ الباليستية الإيرانية وحماية الكيان الإسرائيلي في حال توسع التصعيد، بالتزامن مع استنفار 8 قاذفات استراتيجية (B-52H) في "فيرفورد" البريطانية.
ثانياً: مسرحية "براكة".. هندسة الذريعة للهجوم النووي
إن استهداف محطة "براكة" للطاقة النووية في الإمارات بطائرة مسيرة هو التطبيق العملي لسيناريو "الراية الكاذبة" (False Flag):
1. الصناعة الاستخباراتية للذريعة: النفي القاطع للحرس الثوري لأي علاقة بالهجوم، واختيار "النووي" كهدف (وإن كان خارج المحيط الداخلي)، هما خطوتان مدروستان. الإدارة الأمريكية تريد ذريعة لضرب المنشآت النووية الإيرانية (أصفهان، فوردو، نطنز)، ولا يوجد مبرر أفضل من القول بأن "إيران بدأت بتهديد الأمن النووي للإقليم وحلفائنا".
2. "نفي التفاوض": الرفض الأمريكي للمقترح الإيراني الخامس، وما تسرب من "وكالة فارس" عن شروط أمريكية تعجيزية (كإخراج 400 كغ من اليورانيوم وعدم دفع تعويضات)، يؤكد أن واشنطن لم تكن تُفاوض بل كانت تُمهد الأرضية السياسية لإفشال المحادثات وتبرير العودة للعمل العسكري.
ثالثاً: مأزق الكيان.. انهيار الردع وعقدة المسيرات
الجبهة الإسرائيلية تعيش حالة من الانكشاف التام، وتضغط على ترامب لتنفيذ الضربة بأسرع وقت:
1. التفوق التكتيكي اللبناني: اعتراف الوزير الإسرائيلي زئيف إلكين بانعدام الحلول للتعامل مع "المحلقات المتفجرة" لحزب الله (FPV)، وإعلان مقتل ضابط إضافي لترتفع الحصيلة الرسمية في لبنان إلى 20 قتيلاً (رغم التكتم)، يُثبت أن جيش الاحتلال يفقد السيطرة العملياتية على الأرض.
2. الغارات الانتقامية: الغارات الإسرائيلية الكثيفة أمس واليوم (على زوطر الشرقية، النبطية، وغيرها) والإنذارات بالإخلاء، لا تحمل قيمة عسكرية تكتيكية، بل هي تدمير منهجي للانتقام من البيئة الحاضنة ومحاولة لكسر "التوازن" الذي فشلت إسرائيل في تحقيقه عسكرياً.
3. التململ الداخلي الإسرائيلي: انتقادات "أفيغدور ليبرمان" اللاذعة لنتنياهو بأن إسرائيل تعيش "في جولات متواصلة بلا توقف من دون حل"، ورفع رئيس الأركان لـ 10 أعلام حمراء (بحسب قوله)، ومطالبته بالحسم وعدم الاكتفاء بالتسويات، تؤكد أن إسرائيل تستجدي الضربة الأمريكية الشاملة لإنقاذها من حرب الاستنزاف التي ستُدمر جيشها واقتصادها.
رابعاً: النوتامات الإيرانية.. إغلاق الأجواء وتفعيل الرماية
الجانب الإيراني لا يتعامل مع التهديدات بخفة، بل يضع البلاد في حالة حرب شاملة (كما تؤكد النشرات الملاحية NOTAMs):
1. الإغلاق التام للغرب: استمرار إغلاق الجزء الغربي من إقليم طهران (Tehran FIR) أمام رحلات العبور، وتعليق كافة رحلات الطيران العام (VFR) حتى 25 مايو 2026.
2. الاستنفار العسكري المكثف: تفعيل مناطق مقيدة بارتفاعات شاهقة (OID121 حتى 30,000 قدم)، ونشاط مكثف للطائرات بدون طيار (B0208/26)، وتفعيل مناطق "رماية مدافع" (Gun Firing) في أنحاء متفرقة من البلاد بارتفاعات تصل لـ 20,000 قدم يومياً. هذا الاستنفار هو إعداد مباشر للتعامل مع موجات هجومية جوية أمريكية محتملة.
الخلاصة التوقعية:
بناءً على التطورات العملياتية، وتصريحات القادة (إعلان ترامب، اجتماع الكابينت الإسرائيلي، تصريحات المسؤولين الأمريكيين عن عودة الخيار العسكري)، فإننا نقف أمام لحظة الحسم.
التوقع الاستراتيجي الأرجح هو أن الحرب في إيران ستُستأنف خلال الساعات المقبلة.
هذه الجولة من القتال (الجولة الثالثة) لن تكون كسابقتها؛ لن تقتصر على مناوشات في المضيق أو استهدافات بحرية محدودة. بناءً على التمهيد بحادثة "براكة"، سيكون التركيز الأمريكي منصباً على "ضربات استراتيجية" قاسية تستهدف البنية التحتية للطاقة، وربما المنشآت النووية الإيرانية.
في المقابل، إيران والمحور (وخاصة في لبنان) في حالة استنفار قصوى. الرد الإيراني سيشمل استهدافاً مباشراً وكثيفاً للقواعد الأمريكية والطاقة في دول الخليج التي سهلت الهجوم، بجانب إغلاق كلي لمضيق هرمز. أما حزب الله، فسيوسع من دائرة نيرانه لتشمل العمق الإسرائيلي بشكل أوسع، مما سيُدخل المنطقة بأكملها في أتون صراع إقليمي مدمر لا يُمكن التنبؤ بنهايته.